ابن كثير

381

البداية والنهاية

ورأى كثرة البراغيث بها ، ودخل عليه فصل الشتاء فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمرا عجيبا ، وغلت الأسعار وهو بها لكثرة الخلق الذين معه ، وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الأمطار والثلوج ، فضجر منها ثم جهز بغا إلى بلاد الروم ، ثم رجع من آخر السنة إلى سامرا بعد ما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام ، ففرح به أهل بغداد فرحا شديدا . وفيها أتى المتوكل بالحربة التي كانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح بها فرحا شديدا ، وقد كانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد وغيره ( 1 ) ، وقد كانت للنجاشي فوهبها للزبير بن العوام ، فوهبها الزبير للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن المتوكل أمر صاحب الشرطة أن يحملها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفيها غضب المتوكل على الطبيب بختيشوع ونفاه وأخذ ماله ( 2 ) . وحج بالناس فيها عبد الصمد المتقدم ذكره قبلها . واتفق في هذه السنة يوم عيد الأضحى وخميس فطر اليهود وشعانين النصارى وهذا عجيب غريب . وفيها توفي أحمد بن منيع ( 3 ) . وإسحاق بن موسى الخطمي ( 4 ) . وحميد بن مسعدة ( 5 ) . وعبد الحميد بن بيان ( 6 ) . وعلي بن حجر ( 7 ) . والوزير محمد بن عبد الملك الزيات . ويعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق . ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين فيها أمر المتوكل ببناء مدينة الماحوزة وحفر نهرها ، فيقال إنه أنفق على بنائها وبناء قصر الخلافة بها الذي يقال له " اللؤلؤة " ألفي ألف دينار . وفيها وقعت زلازل كثيرة في بلاد شتى ، فمن ذلك بمدينة أنطاكية سقط فيها ألف وخمسمائة دار ، وانهدم من سورها نيف وتسعون برجا ، وسمعت من كوى دورها أصوات مزعجة جدا فخرجوا من منازلهم سراعا يهرعون ، وسقط الجبل الذي إلى جانبها الذي يقال له الأقرع فساخ في البحر ، فهاج البحر عند ذلك وارتفع دخان أسود مظلم منتن ، وغار نهر على فرسخ منها فلا يدرى أين ذهب . ذكر أبو جعفر بن جرير قال : وسمع فيها أهل تنيس ضجة دائمة

--> ( 1 ) وكانت تسمى العنزة ( الطبري - ابن الأثير - ) . ( 2 ) نفاه إلى البحرين . وقال اعرابي في ذلك : ( الطبري 11 / 56 ) : رمى به في موحش القفار * بساحل البحرين للصغار ( 3 ) أبو جعفر البغوي الأصم الحافظ الكبير صاحب المسند . أحد الثقات المشهورين مات ببغداد في شوال . ( 4 ) أبو موسى قاضي نيسابور . كان كثير الاسفار أثنى عليه أبو حاتم الرازي ومات بجوسية من أعمال حمص . ( 5 ) المبارك السلمي البصري ، حمدويه ، روى عنه أصحاب الكتب الستة إلا البخاري . ( 6 ) أبو الحسن السكري الواسطي روى عن خالد الطحان وهشيم فأكثر . وفي الأصل سنان ، وما أثبتناه من تقريب التهذيب . ( 7 ) أبو الحسن السعدي المروزي نزيل نيسابور مات وله تسعون سنة . كان من الثقات الأخيار .